فخر الدين الرازي

245

تفسير الرازي

إِنَّ في ذَلِكَ لآَيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ " 9 " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ياَ جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ " 10 " وأما التهديد فبقوله : * ( إن نشأ نخسف بهم الأرض ) * يعني نجعل عين نافعهم ضار هم بالخسف والكسف . ثم قال تعالى : * ( إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) * أي لكل من يرجع إلى الله ويترك التعصب ثم إن الله تعالى لما ذكر من ينيب من عباده ، ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم داود كما قال تعالى عنه : * ( فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ) * ( ص : 24 ) وبين ما أتاه الله على إنابته فقال : * ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبَالُ أَوِّبى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : * ( منا ) * إشارة إلى بيان فضيلة داود عليه السلام ، وتقريره هو أن قوله : * ( ولقد آتينا داوا منا فضلاً ) * مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتي الملك زيداً خلعة ، فإذا قال القائل آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من خاص ما يكون له ، فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ، ومثل هذا قوله تعالى : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ) * ( التوبة : 21 ) فإن رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد في الدنيا لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه فقال : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ) * . المسألة الثانية : في قوله : * ( يا جبال أوبي معه ) * قال الزمخشري : * ( يا جبال ) * بدل من قوله : * ( فضلاً ) * معناه آتيناه فضلاً قولنا يا جبال ، أو من آتينا ومعناه قلنا يا جبال . المسألة الثالثة : قرئ أوبي بتشديد الواو من التأويب وبسكونها وضم الهمزة أوبي من الأوب وهو الرجوع والتأويب الترجيع ، وقيل بأن معناه سيرى معه ، وفي قوله : * ( يسبحن ) * قالوا : هو من السباحة وهي الحركة المخصوصة . المسألة الرابعة : قرئ * ( والطير ) * بالنصب حملاً على محل المنادى والطير بالرفع حملاً على لفظه . المسألة الخامسة : لم يكن الموافق له في التأويب منحصراً في الجبال والطير ولكن ذكر الجبال ، لأن الصخور للجمود والطير للنفور تستبعد منهما الموافقة ، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ، ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة من الحجارة . المسألة السادسة : قوله : * ( وألنا له الحديد ) * عطف ، والمعطوف عليه يحتمل أن يكون قلنا المقدر في قوله يا جبال تقديره قلنا : * ( يا جبال ) * أوبي وألنا ، ويحتمل أن يكون عطفاً على آتينا تقديره آتيناه فضلاً وألنا له . المسألة السابعة : ألان الله له الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير ، فإنه يلين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذي يكتب به ، فأي عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله ، قيل